موفق الدين بن عثمان

412

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

فقال : افتح الختمة ، ففتحها ، فوجد الليث سورة الرحمن ، فاستدلّ على صدق الرشيد ، فقال : اقرأ ، فقرأ إلى أن وصل إلى قوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ « 1 » . فقال : هل لك كلام بعد الشاهد الأول والثاني ؟ قد أثبت اللّه لك جنّتين ! ففرح الرشيد ودخل على زبيدة ، وفرح أهل الدار فرحا شديدا ، ثم خرج الرشيد إليه فقال : تمنّ علىّ . فقال : إنّ في مصر عمالة « 2 » بكذا وكذا من الدّنانير في كل يوم ، أن تستعملني بأجرة العمال . فقال الرشيد : هي لك بجميع غلّتها . ثم قال : هل تريد شيئا آخر ؟ قال : نعم . قال : ما تريد ؟ قال : أريد أن تدفع لي هذين الأستاذين - وهما على رأس الرشيد - فقال : خذهما . هل بقي لك حاجة ؟ قال : نعم ، تكتب لي كتابا ألّا يكون لأحد من عمّال مصر ، ولا من رؤسائها في الديار المصرية معي كلمة . فكتب له بذلك . ثم تجهّز ورجع إلى مصر - رحمة اللّه عليه . وكان من كرمه ما هو مشهور ، وكان يقول : سقم الأبدان بالأوجاع ، وسقم القلوب بالذنوب ، فكما لا يجد « 3 » الجسد لذّة الطعام عند السّقم « 4 » ، كذلك لا يجد القلب لذّة العبادة مع الذنوب . حكى ذلك عنه يحيى بن معاذ الرازي . وقال ابن النحوي : صودر رجل في زمنه بمصر ، ونودي على داره ، فبلغت أربعة آلاف درهم ، فاشتراها الليث ، وبعث يونس بن عبد الأعلى لأخذ المفاتيح ، قال يونس : فذهبت لآخذ المفاتيح فوجدت في الدار أطفالا وعائلة

--> ( 1 ) سورة الرحمن - الآية 46 . ( 2 ) العمالة : أجرة العامل ، وحرفته . والمراد بها هنا ما تغله هذه العمالة من خراج ، ففي وفيات الأعيان : « فأقطعه - أي هارون الرشيد - قطائع كثيرة بمصر . [ انظر الوفيات : ج 4 ص 129 ] . ( 3 ) في « م » : « لا تجد » . في الموضعين . ( 4 ) في « م » : « القسم » تحريف .